عاجل
الرئيسية / المساهمات / “ألتافيستا”، خيمة بلاستيكية وكلية

“ألتافيستا”، خيمة بلاستيكية وكلية

نظمت ثلاث جمعيات من طلبة كلية الطب، يوم الخميس الماضي، بالساحة المحاذية للبريد المركزي بالجزائر العاصمة، حملة لتحسيس المواطن بعدد من الرهانات الصحية التي تواجهها الجزائر، هي أمراض القصور الكلوي، والتبرع الدم، وطبعا موضوع الساعة الذي يشغل الرأي العام في كل أرجاء العالم فيروس كورونا الجديد.

كانت الحملة عبارة عن ثلاث خيم تحلق حولها بعض الناس. والذي أثار انتباهي في كل هذه المبادرة المحمودة هي وجود لافتة كبيرة أمام الخيمة التي نصبت للتحسيس بضرورة التبرع بالدم، لا تمت بصلة لا لمسألة التبرع بالدم ولا لأية مسألة طبية أخرى. كانت اللافتة إشهارا لشركة خاصة لا علاقة لها بقطاع الصحة أيضا، شركة “ألتافيستا” المختصة في تنظيم التظاهرات ومعداتها من خيم ولائم ومعارض. سألت إحدى الطالبات القائمات على هذه الحملة التحسيسية عن سبب وجود مثل هذه اللافتة في نشاط تطوعي تحسيسي صحي، فكانت إجابتها أنها لافتة إشهارية للشركة التي أمدتهم بالخيم لإقامة هذا النشاط.

يبدو الجواب للوهلة الأولى شاف ومقنع، فالأمر يتعلق برعاية شركة (سبونسور) لنشاط جمعوي موجه للفائدة العامة. لكنه سرعان ما سقط هذا الجواب، بل وتحول إلى تهمة تدين، فالأمر لا يتعلق بحملة تحسيسية عادية، إنها حملة أقيمت لإقناع المواطن الجزائر بالتبرع بدمه أوبأحد أعضائه لمواطنين آخرين، لا يعرفهم ولن يعرفوه. عملية يقوم بها الفرد لوجه الله أو الوطن أولوجه الإنسانية.

وماذا في الأمر؟ هكذا تساءلت الطالبة، ويتساءل القارئ. في أمر أننا نتساءل: “كيف يمكن إقناع مواطن بالتبرع بدمه أو بكليته أوكلية أحد ذويه المتوفين لوجه الله أوالوطن أولوجه الإنسانية، ونحن لا نستطيع إقناع شركة بأن تتبرع لنا بثلاث خيم لمدة يوم أو يومين أو أسبوعين دون أن تجني من ذلك مصلحة كأن تحول نشاطا خيريا إلى فضاء لإشهار منتوجاتها”؟

من الناحية القانونية الأمر يحتاج إلى نقاش، ففضاء تحسيسي مرتبط بالصحة العمومية فضاء خاص، استغلاله في الإشهار يكاد يشبه استغلال مؤسسة استشفائية في الإشهار لمنتوج شركة أو هيئة ذات طابع ربحي. ولو كانت لدينا دولة حقيقية ومجتمع مدني حقيقي لطرحت هذه المسألة في لحظة طلب الترخيص لإقامة مثل هذا المعرض.

لكن المسألة أبعد من طرح قانوني صرف، وأعمق من أن تكون مسألة أخلاقية نسي فيها صاحب شركة ألتافيستا أنه معني، في أية لحظة، بالحاجة إلى دم أو إلى زرع كلية.

بعد سنوات سيتخرج هؤلاء الطلبة الشباب وسيعملون في مؤسسات صحية عمومية وخاصة، وسيجلسون في مجلس إدارة مستشفى خاص في مواجهة ممول هذه المستشفى ويتناقشون معه مسألة تبرع بكلية أو بأي عضو آخر، أي المرضى في طابور الانتظار أحق بهذا الزرع؟ هل يستطيع هذا الطبيب مواجهة ممول المستشفى وهو الذي لم يستطع إقناع متبرع بخيمة بلاستيكية أن يتبرع بها بها صمت لوجه الله أو الوطن أولوجه الإنسانية؟

زراعة الأعضاء، خاصة من الأشخاص المتوفين معناه إنشاء بنوك أعضاء، والنظام والسلطة التي نهبت البنوك والمصارف وأعطت القروض، دون حسيب أو رقيب، لأرباب المال اللصوص والأوليغارشيين لا يمكن أن تستأمن على بنك للأعضاء.

ليست هذه دعوة لثني الناس عن التبرع بالدم أو بأعضائهم أو أعضاء ذويهم المتوفين، هي فقط تنبيه إلى أننا لا يمكن أن نقيم دولة اجتماعية بنظام لا يؤمن لا بالله ولا بالوطن ولا بالإنسانية.

استدراك: في الجهة المقابلة كانت هناك خيمة أخرى أمامها طابور طويل طويل من النساء، خاص بعلامة “لوشا” (Le chat) لمواد التنظيف.

مهدي براشد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *